تحليل بيانات البحث النوعي (٤): مناقشة نتائج البحث

الغرض من فصل المناقشة هو وصف أهمية النتائج التي توصل لها البحث وشرحها وتفسيرها. وغالباً ما يعتبر هذا القسم أهمّ جزء في بحثك العلمي لأنه المكان الذي يمكنك فيه تسليط الضوء على أهمية دراستك ودورها في سد الفجوات البحثية الموجودة في مجال بحثك. إن فصل المناقشة هو المكان الذي يُظهر قدراتك كباحث على التفكير النقدي وتفسير النتائج التي توصلت إليها وطرح الحلول الإبداعية للمشكلة البحثية بناءً على نتائج بحثك وربطها بما سبق من أعمالٍ للآخرين.

في مقالة سابقة شرحتُ كيفية كتابة فصل النتائج وماذا يجب أن يتضمن هذا الفصل، وفي هذه المقالة سأشرح طريقة كتابة فصل المناقشة وماذا يجب أن يتضمن وأتطرق لعدد من النصائح المهمة.


مقترح لهيكلة وتنظيم فصل المناقشة

  1. المقدمة: وتتضمن ذكر الهدف العام للبحث، وطريقة ترتيب الفصل هل سيرتبه الباحث بنفس طريقة ترتيب فصل النتائج؟ أم سيرتبه بناءً على عناوين أخرى Themes مستمدة من النتائج؟ أو سيرتبه بطريقة أخرى؟ كما تتضمن المقدمة إعادة التأكيد بشكل سريع ومختصر على النتائج الرئيسية للبحث وعادة تكون في فقرة واحدة.
  2. العنوان: البدء بكتابة العنوان ثم التذكير بجملة واحدة بالنتيجة التي يتم تناولها تحت هذا العنوان ثم البدء بتفسيرها. في تفسير النتيجة فكر بمناقشتك كهرم مقلوب حيث يكون تنظيم المناقشة من العام إلى الخاص ثم ربط النتائج الخاصة بك بالدراسات السابقة والنظريات. وأثناء الكتابة تخيل أنك تقود القارئ خطوة بخطوة إلى تفسير المعنى الرائع الكامن خلف النتيجة التي توصلت إليها ولماذا هي مهمة.
  3. الربط بالدراسات السابقة: إن هدف استخدام الدراسات السابقة قد يكون لأجل دعم نتيجة بحثك التي طابقت نتيجة فلان وهذا فيه قوة لبحثك، وقد يكون لأجل مقارنة نتائج بحثك ببحث علان التي جاءت نتائجه مخالفة لنتائجك أو ربما لم تتشابه وهذا مكمن قوة لبحثك أيضاً حيث تظهر قدراتك في التفكير الناقد والربط بين دراستك ودراسات الآخرين وأسباب التشابه والاختلاف وتفسيرك لذلك بناءً على ثقافتك وخبرتك وبناءً على اختلاف أدوات البحث واختلاف العينات وخلفياتهم الثقافية، العلمية والاجتماعية وغيرها.
    وهذا أمر مهم لأن مقارنة نتائج دراسات أخرى بنتائج بحثك يساعد على دعم الأهمية العامة لنتائجك، كما يسلط الضوء على كيفية اختلاف دراستك عن الأبحاث الأخرى. أدناه مثال للربط بالدراسات السابقة من بحث (العبد الكريم والملا، ٢٠١٤) علماً أن البحث اعتمد طريقة الدمج بين كتابة النتائج والمناقشة في سرد واحد.
  4. الربط بالنطريات: ربط نتائج بحثك مع النظريات وهذا يعطي قوة للبحث ويبرز قدرات الباحث في التفكير النقدي وسعة الثقافة والاطلاع. وقد يكون تفسيرك لنتائج البحث بناءً على نظرية موجودة في مجال البحث أو بدلاً من ذلك قد تكون لنتائج بحثك آثار على استحداث نظرية جديدة في المجال (بحوث النظرية المجذرة).
  5. الملخص: كتابة الملخص لفصل المناقشة حيث يقدم الباحث شرحاً موجزاً عن سبب اعتقاده بأن نتائج دراسته مهمة ويوضح كيفية مساهمتها في بناء المعرفة أو كيفية تقديمها لفهم أوسع لمشكلة البحث. وبالإمكان ذكر القيود والتوصيات لدراسات أخرى هنا أو في فصل الخاتمة ولكن ينبغي ألا تُكرر في الفصلين. ويغلب في البحوث الكمية أن تُكتب القيود والتوصيات في فصل المناقشة، أما البحوث النوعية فتُكتب في الخاتمة.

نصائح مهمة

في فصل المناقشة ينبغي الاهتمام بالأمور التالية:

  • الإيجاز فلا تضيع الوقت في إعادة صياغة النتائج، فقط قم بالتذكير بالنتيجة التي تريد مناقشتها ثم انتقل إلى شرحها فوراً.
  • لا تكتب فصلين لعرض النتائج! فمن أكثر الأخطاء شيوعاً في فصل المناقشة تقديم تفسير سطحي للنتائج وكأنها إعادة لنفس معلومات فصل النتائج. تذكّر أن فصل المناقشة يركز على تفسير تلك النتائج وأهميتها وليس سرد النتائج نفسها.
  • احذر من تقديم نتائج جديدة في فصل المناقشة لأن مكان عرض النتائج هو في فصل النتائج. أما إذا اخترت الجمع بين قسم النتائج وقسم المناقشة في فصل ​​واحد فيجب أن تكون واضحاً في طريقة كتابة عرض النتيجة وطريقة كتابة تفسيرك لها.
  • في شرحك للنتائج وضح رأيك الخاص. مثلاً، هل كنت متوقعاً لهذه النتائج؟ أم أنها غير عادية وغير متوقعة؟ ولماذا هي غير متوقعة؟ هل هو بسبب عدم وجود أبحاث سابقة تناولت هذه النتيجة أو بسبب أخطاء في جمع أو تحليل البيانات؟ هل هو بسبب صمت عينة البحث عن الحديث عن هذا الموضوع؟ وما هي أسباب صمتهم وامتناعهم عن الإجابة؟
  • على الرغم من أهمية وضوح صوتك كباحث (The Writer Voice) لكن احذر التفريط في تفسير النتائج! فالتفسير عملية ذاتية قد تتضمن التحيزات الفردية وإصدار الأحكام وليّ عنق النتائج لتوافق رأي الباحث الشخصي. إن من الانتقادات الموجهة للبحث النوعي هو احتمالية التحيز والرأي الشخصي فيه ولكن توجد بحوث تفنّد هذه المقولة وتوضح كيف يمكن للباحث النوعي أن يتجنب التحيز الشخصي وأن يثبت الثقة (Trustworthiness) في بحثه كما يثبت الباحث الكمي صحة وموثوقية (Validity and Reliability) بحثه. للمزيد اطلع على الأبحاث التالية:
    • Shenton, A. K. (2004). Strategies for ensuring trustworthiness in qualitative research projects. Education for information, 22(2), 63-75.
    • Robson, C. (2011). Real world research. (3rd ed.), Chichester, England: Wiley.
  • استخدام ضمير المتكلم (أنا) يمكن أن يساعد في توضيح رأي الباحث وتمييزه عن آراء مؤلفي الدراسات السابقة، ويبرز صوته (The writer voice). هذا ويوجد خلاف في استخدام ضمير المتكلم في الوسط البحثي الإنجليزي حيث يشجع البعض استخدامه فيما يعارض آخرون (جامعتي تؤيد استخدامه (🙂 وأغلب باحثي الوسط العربي لا يفضلون ضمير المتكلم وإنما استخدام “يرى الباحث/ة” و”قام الباحث/ة” بدلاً من “قمتُ بعمل كذا”. وسواءً استخدم الباحث ضمير المتكلم أم لم يستخدمه فمن المهم التمييز بعبارات معينة بين رأي الباحث ورأي الكتّاب الآخرين الذين رجع الباحث إلى بحوثهم واستفاد منها في بحثه.
  • في كتابة فصل المناقشة تحتاج لقراءة الكثير من الأدبيات والدراسات السابقة. لذلك، بإمكانك أن تعمل على كتابة فصلين في آن واحد اختصاراً للوقت، وهما فصل المناقشة وفصل الدراسات السابقة، والذي يكون عادة الفصل الثاني في ترتيب البحث. كيف؟
    عن طريق كتابة فصل الدراسات السابقة مع أو بعد كتابة فصل المناقشة. فعند تفسيرك للنتائج تبدأ في البحث عن المراجع في هذا الموضوع وعند حصولك على دراسة، مقالة أو كتاب يناسب النتيجة المطلوبة فبإمكانك أن تحدد أين ستدرج هذه المرجع هل تود استخدامه في فصل الدراسات السابقة أو في فصل النتائج أو فيهما معاً؟ وهذا يعتمد على هدفك من استخدام هذا المرجع. هل تشعر أنه يقدم معلومة عامة عن موضوع بحثك؟ إذاً استخدمه في فصل الدراسات السابقة. أو أنك تراه ملائماً أكثر لدعم أو لمقارنة مع نتيجة بحثية؟ إذاً استخدمه في فصل المناقشة.
    هذه بعض تغريداتي عن جداول تنظيم البحث والتي يمكن الاستفادة منها أيضاً في تنظيم استخدام المراجع في فصلي المناقشة والدراسات السابقة. ويمكن تحميل عينة من جدول تتبع وتسجيل مراجع البحث.

  • تجنب تعميم النتائج بدون دليل. إن تعميم نتيجة البحث في المنهج النوعي غير مطلوب وليس مهماً كما هو مهم في البحث الكمي وذلك لأن البحث النوعي يركز على الفهم العميق والتفسير الدقيق لنتيجة البحث (Lincoln,1985).
  • يمكنك استخدام الرسوم والجداول في تعزيز تفسيرك للبيانات إذا كان ذلك بالإمكان.
  • استخدم الفعل المضارع (Present simple) في شرح وتفسير النتائج.

فصل المناقشة من أهم الفصول في الدراسات العلمية كونه يتم من خلاله مناقشة النتائج وتعزيز مكانة الدراسة ومقارنة ماتم التوصل إليه من نتائج بالدراسات السابقة. لذلك، من المهم أن يتأنى الباحث في إخراج هذا الفصل ويعطيه الوقت والتركيز الذي يستحقه للمساهمة في إبراز قيمة وأهمية الدراسة وما توصلت إليه من نتائج.


  • العبد الكريم، راشد والملا، أحلام. (٢٠١٤). فاعلية برنامج تدريبي لتطوير مشاركة مديرات مدارس المرحلة الابتدائية في تنفيذ المنهج. مجلة جامعة طيبة للعلوم التربوية، ٩(١)، ٢٨-٤٧.
(1) عدد الردود
  1. aad alkhalagi
    aad alkhalagi says:

    السلام عليكم
    موضوع جيد ومفيد جدا اشكركم على الافادة

    رد

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *