يُعَد البحث العلمي مطلباً رئيساً للنهوض بالمجتمعات وتطورها، من خلال ما يُسهِم به من نتائج وحلول لمختلف المشكلات التي تواجه المجتمعات. ولا يكاد مجال من مجالات الحياة يخلو من الحاجة الماسّة للبحث العلمي؛ سواء أكان ذلك صحيًا أو تعليميًا أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا أو غير ذلك. وتأسيسًا على ما تقدم، يمكن القول إن البحث العلمي هو مُتطلب سابق لا بد من تحقيقه من أجل تحقيق التقدم والرفاه والتطور في أي مجتمع بشري.

إن الناظر المتفحص إلى واقع المجتمعات المختلفة يمكن أن يلمس الفرق بين المجتمعات التي تُنزِل البحث العلمي المنزلة اللائقة به، وتلك المجتمعات التي تنظر إلى البحث العلمي على أنه أمر ثانوي أو مجرد ترف فكري؛ إذ يمكن ملاحظة أن المجتمعات التي تولي البحث العلمي اهتماما وعناية قد حققت انطلاقة قوية نحو التقدم والرقي في شتى المجالات؛ مما مكنها من أن تصبح مجتمعات قيادية تملك زمام أمورها. بينما تعاني المجتمعات الأخرى من التخلف والتبعية والتقليد. ومن هنا يمكننا أن نستنتج أن البحث العلمي ليس خياراً مطروحاً للأخذ أو الرد، بل هو شرط جوهري وحيوي للابتكار والإبداع والتقدم.

ولعله من المناسب في هذا المُقام – وقبل الخوض في تفاصيل أنواع وخصائص البحث العلمي – أن نستعرض بعض التعريفات التي صاغها علماء ومفكرون لهذا المصطلح المهم.

تعريف البحث العلمي

من خلال استعراض المراجع التي تناولت البحث العلمي، نجد أنه ليس هناك اتفاق على تعريف واحد له؛ فقد عرّفه البعض بأنه: “عرض تفصيلي دقيق وعميق لظاهرة معينة، من أجل الكشف عن حقيقة أو مشكلة موجودة وإضافة معلومات جديدة عليها، والعمل على حلّ هذه المشكلة بطرق وأساليب علميّة، من خلال العديد من الوسائل البحثية المتبعة في ذلك”. فيما ذهب فريق آخر إلى أن البحث العلمي هو: “اكتشاف المعارف والحقائق وعرضها في إطار ممنهج لتحقيق التطور والتقدم”. ويعتقد آخرون بأن البحث العلمي هو: “الأسلوب المنظم في جمع وترتيب وتصنيف وتحليل البيانات، وفقًا لقواعد محددة اصطلح عليها الخبراء”. وأخيرًا، يمكن تعريف البحث العلمي بأنه “دراسة الإشكاليات التي تواجه البشر، والعمل على حلها بأسلوب علمي”.


أنواع البحث العلمي

هنالك العديد من أنواع البحث العلمي والتي يمكن تصنيفها إلى عدة فئات بناء على أسس مختلفة.

١. حسب الغرض أو الغاية

بحوث نظرية

يهدف هذا النوع للوصول إلى الحقائق والنظريات العلمية التي تمّ التحقق من صحتها، مما يؤدّي إلى إضافة مساهمة علمية تعمل على تنمية المعرفة وتوضيح المفاهيم النظرية وجعلها أكثر شمولية واتساعاً، دون النظر إلى التطبيقات العملية ذات العلاقة بموضوع معين. وبعبارة أخرى تهدف البحوث النظرية إلى إضافة معلومات أو معارف جديدة لمجال معين، ولا تختبرها من الناحية العملية.

بحوث تطبيقية

يهدف هذا النوع من البحوث إلى اختبار صحة بعض النظريات أو الفرضيات عن طريق التطبيق المباشر للمعارف العلمية المتوفرة والتثبت من صحتها على أرض الواقع. وتعمل البحوث التطبيقية على البحث عن حلول جديدة لمشكلات ميدانية واقعية، كما أنها تعمل على إضافة أساليب جديدة للتعامل مع المشكلات الحالية، أو تطوير الأساليب والممارسات المتبعة في العديد من المجالات كالصحة والتعليم والإنتاج والتسويق وغيرها.

٢. حسب المنهج المتبع

بحوث استكشافية (Exploratory Research)

وهي تعبر عن البحوث التي تهدف إلى تكوين رؤية أولية حول مشكلة محددة تواجه الباحث؛ بحيث يمكن تحديد مدى الحاجة إلى بحوث إضافية. ويمكن القول إن الهدف من البحث الاستكشافي هو تحديد المشكلة وتكوين الفروض. ويمثل البحث الاستكشافي الخطوة الأولى من خطوات البحث العلمي؛ إذ أن الباحث يسعى إلى تحديد المشكلة تحديدا دقيقا عن طريق جمع البيانات ذات العلاقة. تتميز البحوث الاستكشافية بالمرونة والاعتماد على قدرة الباحث وخبرته في اكتشاف وتفسير العلاقات بين المتغيرات المتعلقة بالظاهرة موضوع البحث. وفي المقابل، تعاني البحوث الاستكشافية من عدم قدرتها على إعطاء إجابات محددة عن الأسئلة التي تثور لدى الباحث، ويعزى ذلك إلى صغر حجم العينات المدروسة؛ مما يجعل تعميم النتائج أمرا غير ممكن.

بحوث وصفية (Descriptive Research)

وهي تشير إلى تلك البحوث الرامية إلى جمع بيانات، ومن ثَمَّ تحليلها بدقة وموضوعية لحل مشكلة محددة. وتُعَد البحوث الوصفية ذات فائدة كبيرة لصُنَّاع القرار، حينما يكون أمام عدد من البدائل، وهو بحاجة إلى معلومات تعينه في تقييمها واختيار البديل الأفضل.

وتتميز البحوث الوصفية عن البحوث الاستكشافية بأنها أكثر عمقا من حيث طريقة إعدادها وتصميم إجراءاتها. ومن ناحية أخرى، تُزوِّد البحوث الوصفية صُنَّاع القرار والباحثين برؤيا أعمق وأكثر وضوحاً من البحوث الاستكشافية؛ وذلك لأنها توفر بيانات وصفية عن خصائص وهيكل مجتمع البحث.

وتأخذ البحوث الوصفية أحد شكلين رئيسين: الأول، دراسة الحالات؛ التي ترتكز على اختيار عدد محدود من العينات المُمَثِّلة لمجتمع البحث ودراستها بصورة شاملة ومُعمّقة. أما الشكل الثاني، فهو يعتمد على الطرق والأساليب الإحصائية؛ إذ يختار الباحث عينة مُمَثِّلة لمجتمع البحث ويركز على دراسة عدد محدود من المتغيرات التي تؤثر على عدد كبير من المفردات. ويتم الاعتماد على المقاييس الإحصائية مثل النسب المئوية والمتوسطات الحسابية وغيرها في تفسير سلوك مفردات البحث.

بحوث تجريبية (Experimental Research)

وهي البحوث التي تعتمد على إجراء التجارب العلمية. وتعبر التجربة عن تدبير مُحكَم يتدخل الباحث فيه – عن قصد – في الظروف المحيطة بظاهرة معينة، بهدف الوصول إلى نتائج تفسر العلاقة بين المتغيرات المؤثرة في الظاهرة موضوع البحث. وتُستَخدم البحوث التجريبية في اختبار صحة الفروض ودراسة العلاقات بين متغيرات، بعضها سبب (متغير مستقل) والآخر نتيجة (متغير تابع). ويتحكم الباحث في المتغيرات؛ حيث يُثبِّتها جميعها باستثناء واحد منها في كل مرة، لكي يقيس أثره على سلوك الظاهرة محل البحث.


خصائص البحث العلمي

يتميز البحث العلمي بمجموعة من الخصائص، والتي من أبرزها ما يلي:

  • الموضوعية: ويُقصَد بها البعد عن التحيز الشخصي أو التدخل في النتائج وتفسيرها حسب هوى الباحث أو ميوله ومعتقداته الشخصية. ولعل هذه الخاصية هي الأهم من بين خصائص البحث العلمي؛ إذ أنها تعطيه متانة وقوة وتجعله مفيدا للمعرفة الإنسانية.
  • المنهجية: يجب أن يتصف البحث العلمي بالمنهجية؛ والتي تشير إلى العمل المنظم بناء على أسلوب أو طريقة علمية وخطوات مدروسة، وصولا إلى نتائج محددة وعرضها بصورة تضمن تحقيق الغرض من البحث العلمي.
  • السببية: ويعبر ذلك عن حتمية وجود علة أو تفسير علمي لسلوك ظاهرة معينة، حتى لو لم يكن بالإمكان إدراكها في وقت من الأوقات، ويمكن الكشف عن تلك العلة من خلال إجراء بحث علمي.
  • ثبات النتائج: ويعني ذلك أن البحث العلمي يتصف بالقدرة على الوصول إلى نفس النتائج عند تكرار نفس الإجراءات، بغض النظر عن المكان والزمان.
  • التراكم المعرفي: يمكن تشبيه البحث العلمي بعملية البناء؛ حيث يضيف كل باحث لبنة جديدة إلى الصرح العلمي في مجال معين، منطلقاً أو معتمداً على من سبقوه من الباحثين وبحيث يؤدي ذلك إلى تراكم المعرفة حول مجال معين.
  • التفكير المُنظَّم: لا يمكن اعتبار البحث علمياً إلا إذا كان قائماً على التفكير المنظم في الظاهرة محل البحث. وينطلق الباحث في العادة من مؤهلاته وخبرته في مجال البحث، ثم يضع الفرضيات التي يرى أنها يمكن أن تكون سبباً في وجود مشكلة محددة، ثم يقوم بجمع البيانات وتحليلها وتفسيرها، ويختبر صحة الفرضيات التي وضعها في بداية البحث.
  • الاعتماد على الأدلة العلمية: لا يعتمد البحث العلمي على الظن أو التكهن، بل على النتائج التي يتوصل إليها الباحث عن طريق جمع البيانات وتحليلها وتفسيرها، ثم تقديم النتائج المُدعَّمة بالأرقام والإحصاءات والأدلة والقرائن.
  • الدقة: البحث العلمي ليس مجرد تدوينة أو خاطرة تحتمل الخطأ أو الصواب، ولذا فإن من أهم خصائصه توخي الدقة في تحليل البيانات وتفسيرها ودعمها بالأدلة الواقعية المبنية على الدراسة والتفكير المنطقي، والبعيدة تماماً عن الحدس أو الشك.

نأمل أن نكون قد قدمنا معلومات مفيدة للقارئ الكريم حول البحث العلمي من حيث مفهومه وأنواعه وخصائصه، كمساهمة متواضعة منا في توضيح بعض النقاط التي قد تدور في أذهان البعض فيما يتعلق بالبحث العلمي.

(0) ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.